باب اللعان من سلسلة بدر التمام شرح عمدة الأحكام التوحيد لأبن خزيمة الغرباء للآجري ذم التأويل لموفق الدين بن قدامة المقدسي كتاب الزهد لهناد بن السري كتاب التوحيد لابن منده كتاب الطلاق من سلسلة بدر التمام

إنها سنون خداعة

عرض المقال
إنها سنون خداعة
976 زائر
19-12-2014
د / صبري عبد المجيد

إنها سنون خداعة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، وبعد

فهذه المقالة امتدادًا لتلك المقالة التشخيصية التي كتبها أخي الحبيب فضيلة الشيخ أحمد بن سليمان حفظه الله، والتي ختمها بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: " إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ " قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: " السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ"

وفي لفظ: "وَيَنْظُرُ فِيهَا لِلرُّوَيْبِضَةِ "، وفي سياق حديث أنس: "الفويسقة يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ "

وفي سياق حديث عوف بن مالك. . . قيل، وما الروبيضة يا رسول الله؟ قال: مَن لَا يُؤْبَهُ لَهُ ( [1] )

لمَّا تأملت هذا النص وتدبرته عرضته على واقعنا الذي نعيش فيه فرأيته واقعًا قَلَّت فيه الأمانة، وظهرت فيه وسادت الخيانة، وندر فيه الصدق، وظهر وساد فيه الكذب والخداع والمكر، وندر فيه الأدب وحسن الخلق، وظهر وساد فيه سوء الأدب والخُلق. .

رأيته مجتمعًا

قَدَّم وسَيَّد الخائن، واستبعد الأمين، قَدَّم وسَيَّد الكاذب، واستبعد الصادق

قَدَّم وسَيَّد سيء الأدب، واستبعد حسن الأدب، قَدَّم وسَيَّد السفيه، واستبعد الحكيم

قَدَّم وسَيَّد الفاسق، واستبعد الحكيم، قَدَّم وسَيَّد الفاسق، واستبعد العادل

رأيته مجتمعًا لعبت الرشوة والوساطة فيه دورها في الزور والباطل، فقلبوا الأمور، فقَبَّلوا وسَيَّدوا الضعيف المتأخر، واستبعدوا القوي المتفوق المُقدم، فقَدموا وسَيَّدوا من دفع الكثير، واستبعدوا من دونه، عظَّموا صاحب المال والجاه، وسيَّدوه، واحتقروا الفقير الوضيع وازدروه، سمعوا للأغنياء الوجهاء، وأعرضوا عن الفقراء الضعفاء

رأيته مجتمعًا

صار العري والفجور فيه مدنية وحضارة، والاحتشام والتستر جمودًا وتخلفًا

صار الجهلاء في الدين أئمة وسادة بين العوام الهوام الجاهلين

صار الدِّين كلأً مباحًا للسفهاء والتافهين والمأجورين، وغير ذلك مما دار في خاطري

ثم سألت نفسي لماذا كل هذا؟ فأجبت نفسي بإجابة مختصرة لم أر غيرها، وهي: الانفلات من الزمام والبعد عنه وهو الدين الحنيف الرحمة للعالمين، وهذا الانفلات بلازم اتباع الهوى والتقليد الأعمى للكافرين المنحلين عن المبادئ والأخلاق، فلمَّا انفلتوا من الزمام وابتعدوا عنه ألَّهوا العقول، وطرحوا النقول وعلى موائد الحوار الزور اجتمعوا وكسَّروا الجذور بصانعي الأنعام خفافيش الظلام، فأوقعوا أنفسهم ومجتمعهم في البركان.

وصدق الرسول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- خير الأنام حيث قال: " إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ"، وهذا من أعلام نبوته الظاهرة حيث أخبر بما سيكون، وفي القرآن كلام الله تعالى {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام: 50]

وقال -صلى الله عليه وسلم-: "لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ [وباعًا بباع]، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا [سلكوا] جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ [سلكتموه]، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟ " ( [2] )

وها نحن نرى حرية مطلقة في كل شىء حتى في الثوابت من ديننا السمح الخاتم، و حرية مطلقة في الرأي والفكر

وها نحن نرى بأعيننا ونسمع بآذاننا، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- " إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ"، وهذا من بلاغة قوله -صلى الله عليه وسلم- الدالة على الحقيقة والمجاز، فالسنون لا تخدع ولا توصف

بالخداع وإنما الذين يعيشون فيها.

قوله "خداعة" من خدع تغير من حال إلى حال، وبهذا أشار إلى تغير حال الناس في السنين حيث تخلَّق الناس بغير أخلاقهم، وتلوَّن فيها الناس فأظهروا خلاف ما يبطنون.

والخداع: إظهار ما يخالف الإضمار، وهو من النفاق قال تعالى: " {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9]

وفي حديث قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: " الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ " لَكُنْتُ أَمْكَرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ. ( [3] )

وقد أظهر النبي ما حذر منه كما في حديث ابن مسعود -رضى الله عنه- مرفوعًا "الْمُؤْمِنُ يُطْوَى عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ" ذلك لأنهما رأس الضياع والخسارة في الفرد والأسرة والمجتمع والأمة

وفي حديثنا أخبر النبي ببلاغته عما يدور في هذه السنين، سيتغير فيها حال المسلم من الحسن إلى السيء، ومن الحلو إلى المر، ومن العزة إلى الذل، ومن القوة إلى الضعف، ومن احترام الدين وتعاليمه وتوقيره واتباعه إلى الاستخفاف به والتجرؤ عليه والتلون فيه.

كل هذا وغيره كثير في الخيانة والكذب، وما نطق الرويبضة إلا بعد ترسخ ذلك فيه، لذا نراه -صلى الله عليه وسلم- أجمل فقال: يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ " قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: " السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ "وفي لفظ: " ينظر فيه للرويبضة. أي: نظر إكبار وتعظيم وإجلال، وهو لا يستحق ذلك.

والخيانة هي التفريط في الأمانة، وهي مخالفة الحق بنقض العهد في السر، وهي الغدر وإخفاء الشيء، وهي من النفاق كما في الصحيح، والخائن لا يحبه الله قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ }

[الأنفال: 58]، وانتشار الخيانة في مجتمع فهو من علامات اضمحلاله، فهي داء يفتك بالمجتمع عاجلًا أو آجلًا. وعكسها الأمانة

والكذب: هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه، وهو عدم المطابقة لما في النفس، وهو من النفاق أيضًا، فالكذب لص يسرق العقل كما يسرق اللص المال، الكذب وسيلة لدمار صاحبه ومجتمعه وأمته. فالكذب يورث فساد الدين والدنيا. وعكسها الصدق.

ومن تمام الكذب والخيانة ظهور الرويبضة والنظر إليه والاستماع والتعظيم والإجلال له.

والرويبضة: تصغير الرابضة، وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور، وقعد عن طلبها، فهو السفيه الذي لا يحسن التصرف في الأمور- يتكلم في أمر العامة.

وهو التافه " الخسيس الخامل" يتكلم في أمر العامة، من تفه الطعام إذا سنخ، أي: تغير، وتفه الطِّيب إذا ذهبت رائحته بمرور الأزمنة.

وهو الفاسق، وهو من لا يؤبه له، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقد رأيناه، وسنراه، وسيراه غيرنا بعد.

إن السعادة والعزة والنصرة لمن ثبت على مبدأه وأصله، ولا مبدأ ولا أصل حقيقة إلا في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهما رأس الطريق المستقيم الذي على مطلعه سادات هذه الأمة، بعد نبيها -صلى الله عليه وسلم- حملة الكتاب والسنة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وفي الصحيح أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"

والشرط مقابل المشروط وجودًا وعدمًا، نفيًا وإثباتًا فلنفقه ذلك، ولنفقه قول الله تعالى" {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: 11].

نسأل الله العفو والعافية والهداية والتوفيق

كتبه

صبري عبد المجيد



( [1] ) حسن بطرقه وشواهده. من حديث أبي هريرة واللفظ له عند أحمد (2/291، 338)، وابن ماجه (4036)وغيرهم. ومن حديث أنس عند أحمد (3/220) وغيره. ومن حديث عوف بن مالك عند الطحاوي في المشكل (464) وغيره.

( [2] ) أخرجه البخاري (7320)، ومسلم (2669) من حديث أبي سعيد الخدري، وابن ماجه (3994) وغيره وحديثهم حسن من حديث أبي هريرة.

( [3] ) صحيح لغيره. أخرجه ابن عدي (2/409)وغيره، وهولا بأس به، وعن أنس أخرجه الحاكم (4/ 607)وغيره، وهو حسن، وعن ابن مسعود أخرجه ابن حبان (5559) وغيره وهو حسن.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
  أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
جديد المقالات
أفأمنوا مكر الله؟ - ركــــن الـمـقـالات
القائمة الرئيسية
 
 
البحث
 
البحث في
 
القائمة البريدية
 

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 
عدد الزوار
  انت الزائر :73645
[يتصفح الموقع حالياً [ 3
الاعضاء :0الزوار :3
تفاصيل المتواجدون
 
اتصل بنا :: اخبر صديقك :: سجل الزوار :: البحث المتقدم :: الصفحة الرئيسية